من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

المسجد الأعظم بقرطبة الإسبانية .. عبقرية المكان ومَعلمة الزمان

كان رجال الدين وبعض المسؤولين الكنسيين في قرطبة، وفي طليعتهم أسقف قرطبة الحالي مونسنيور “ديميتريو فيرنانديس غونساليس”، قد قاموا باستبدال استعمال اسم “مسجد قرطبة ” الذي يُنعتُ ويُعرفُ عند القرطبيين منذ قرون عديدة خلت بـ: Mezquita de Cordoba باسم “كاتدرائية قرطبة”.

وقد أثار هذا الصّنيع ردود فعل متباينة غاضبة لدى مختلف المواطنين العادييّن الإسبان من سكان قرطبة على وجه الخصوص، وكذا لدى مختلف شرائح المجتمع الإسباني على وجه العموم من سياسيّين، وكتّاب، ومؤرّخين، ومُستعربين وسواهم، الذين استنكروا برمّتهم هذه الإجراءات الموغلة في التزمّت، التي تنمّ عن انكماش منغلق في التفكير، ولا تنتمي إلى عصرنا بقدر ما تنتمي إلى عصور الجهالة، والتأخّر، والتقهقر، والظلام؛ إذ كيف يمكن تغيير اسم معلمة تاريخية ذائعة الصّيت فريدة في بابها تحمل اسمَ مسجد منذ القرن الثامن الميلادي إلى اليوم؟

مسجد أم كاتدرائية؟!

تجدر الإشارة في هذا الصّدد إلى أنه قبل افتتاح مسجد قرطبة الأعظم في وجه السياح ليلاً باستعمال الصّوت والضوء والتكنولوجيات المتطوّرة لأول مرّة، كانت زيارة هذه المعلمة الإسلامية العظيمة تتمّ نهاراً فقط. وقد أصبحت الزيارات الليلية تستغرق اليوم حوالي السّاعة، باستعمال ثماني لغات حيّة بما فيها اللّغة العربية، (أهلاً بكم في كاتدرائيّة قرطبة)! هكذا تفتتح المسؤولة عند تقديم الشّروح، والتفاسير، والإرشادات التي لها صلة بهذه الزيارة على أنغام موسيقية ذات طابع كنَسي غريغورياني، ثمّ يتمّ بثّ فيديو وثائقي مقتضب حول المراحل التاريخية التي عرفتها قرطبة ومسجدها الأعظم.

تؤكّد المستعربة الاسبانية “فرخينيا لوكي” في هذا السياق أن هذا يتنافى مع المبادئ التي صادقت عليها منظمة اليونسكو العالمية في باريس التي تقرّ بالطابع الإسلامي لهذا المسجد العظيم والتي كانت قد أعلنت منذ عام 1984 أنه تراث ثقافي للإنسانية جمعاء.

كما عبّر المستشرق الاسباني “أنطونيو شافيس” من جامعة اشبيلية، من جانبه، عن استغرابه ودهشته؛ حيث إنه تحت ذريعة إبراز الطابع الأندلسي للمسجد تتمّ الإشارة في هذا الفيديو إلى التأثيرات الهلينية والبيزنطية ولا تتمّ الإشارة إلى الطابع العربي والإسلامي لهذه المعلمة التاريخية الفريدة. كما أن كلّ التفاسير والشروح –التي يتمّ تقديمها خلال الجولات الليلية داخل المسجد-تبرز الطابع الكاثوليكي للمسجد، بل إننا نجد حتّى على تذاكر الدخول تتكرّر كلمة الكاتدرائية أو كاتدرائية قرطبة مرّات عدّة، في حين تختفي كلمة “مسجد”.

ويتأسف هذا المستعرب كيف أن قرطبة ومسجدها كانا دائماً رمزاً ومثالاً للتسامح والتعايش بين الثقافات والديانات في أبهى عصورها على امتداد التاريخ، ولا يظهر ذلك خلال هذه الجولات الليلية لهذا المشروع الثقافي والتاريخي والسياحي الضّخم الذي أطلق عليه اسم “روح قرطبة”؛ حيث يتمّ التركيز فقط خلال هذه التفاسير على كلّ ما هو معماري دون استغوار، أو استبطان، أو تبيان، أو استكناه، أو إبراز روح هذه المعلمة الخالدة والدور الحضاري، والثقافي، والعلمي، والديني الذي اضطلع به هذا المسجد الكبير الذي طبقت شهرته الآفاق منذ تأسيسه عام 785م (92 هجرية) على يد الأمير الأموي عبد الرحمن الأوّل الداخل المعروف بـ “صقر قريش”، والذي تمّ تجديد بنائه، وترميمه، وتوسيعه في تواريخ لاحقة في مناسبات عدّة من طرف الأمراء والخلفاء المسلمين الذين تعاقبوا بعده، أيّ إن هذا المسجد الجامع قائم ومعروف بهذه الصفة منذ ما ينيف على ثلاثة عشر قرناً من الزمان.

الإعلانات

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *